ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
110
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
السرج بالنهار ، قال : أيهم أفضل ؟ قال : هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها ؛ فقال الحجاج لجلسائه : هذا واللّه هو الكلام الفصل الذي ليس بمصنوع . وقد ورد في الأخبار النبوية من هذا الضرب شيء كثير ، وسأورد منه أمثلة يسيرة . فمن ذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحلال بيّن ، والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات » وهذا الحديث من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة ، وذاك أنه يشتمل على جلّ الأحكام الشرعية ؛ فإن الحلال والحرام إما أن يكون الحكم فيهما بينا لا خلاف فيه بين العلماء ، وإما أن يكون خافيا يتجاذبه وجوه التأويلات ؛ فكل منهم يذهب فيه مذهبا . وكذلك جاء قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى » فإن هذا الحديث أيضا من جوامع الأحاديث للأحكام الشرعية . ومن ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « المضعف أمير الرّكب » وقد ورد آخر هذا الحديث بلفظ آخر ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « سيروا بسير أضعفكم » إلا أن الأول أحسن ؛ لأنه أبلغ معنى فإن الأمير واجب الحكم فهو يتّبع ، وإذا كان المضعف أمير الركب كانوا مؤتمرين له في سيرهم ونزولهم ، وهذا المعنى لا يوجد في قوله : « سيروا بسير أضعفكم » . وأحسن من هذا كله ما ورد عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث مطوّل يتضمن سؤال جبريل عليه السلام فقال من جملته : « ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » فقوله : « تعبد اللّه كأنك تراه » من جوامع الكلم ؛ لأنه ينوب مناب كلام كثير ، كأنه قال : تعبد اللّه مخلصا في نيتك ، واقفا عند أدب الطاعة من الخضوع والخشوع ، آخذا أهبة الحذر ، وأشباه ذلك ؛ لأن العبد إذا خدم مولاه ناظرا إليه استقصى في آداب الخدمة بكل ما يجد إليه السبيل وما ينتهي إليه الطّوق . ومما أطربني من ذلك حديث الحديبية ، وهو أنه جاء بديل بن ورقاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له : إني تركت كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ؛ فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ قريشا قد نهكتهم